المقريزي

130

إمتاع الأسماع

أن رجلا من أهل تهامة خرج عن دين قومه ومنسكهم ، ويزعم أنه رسول الله يقال له أحمد ، فإذا جاءك كتابي فاختر رجلين من أهل فارس ممن ترضى عقله فابعثهما إليه واكتب معهما إليه ، أن يرجع إلى دين قومه ومنسكهم أو تواعده يوما تلقاه فيه ، فإنه يزعم أنه نبي يغلبني على ملكي ، فلما جاء باذان الكتاب اختار رجلين من أهل فارس وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما كتب به كسرى فقدما عليه فأعطياه الكتاب ، فردوهما شهرا يختلفان إليه فلا يجيبها إلى جواب كتابهما ، فدعوا عليه يوما فقال ما أحسبني إلا قد حبستكما وشققت عليكما ، قال : أجل قال : فانطلقا وتلبسا واركبا ثم مرا بي ففعلا فقال لهما : أما كتابه إلي أن أرجع إلى دين قومي ومنسكهم ، أو أعده موعدا ألقاه فيه ، فموعدة بيني وبينه أبواب صنعاء أنا بنفسي وخيلي ، وأبلغاه عني أن ربي عز وجل قتل ربه الغداة ، قال : فكتبا ذلك اليوم ثم قدما على باذان فقال ما حبسكما ؟ قالا : هو حبسنا وأبلغاه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم قال : وتحفظان اليوم الذي قال إن ربي قتل ربه ؟ قالا نعم ، قال : فأمر به فكتب فما لبثوا إلا أياما قليلة حتى جاء كتاب من شيرويه بن كسرى : أما بعد فإني قتلت أبي يوم كذا وكذا ، فادع من قبلك من أهل فارس إلى بيعتي ، وأن يسمعوا ويطيعوا ، قال : فسألهما باذان : أي رجل أحمد ؟ قال : جئناك من عند خير الناس ، وأصدقهم لسانا وأبينه ، قال : عليه حرس ؟ قالا : وما يصنع بالحرس ؟ لهو أحب إلى أصحابه من أنفسهم وأولادهم قال : هذا الملك الهنئ قال : فنادوا أن يا أهل فارس بايعوا شيرويه ، واسمعوا وأطيعوا له ، يا أهل فارس ، هذا الملك قد أقبل ملك محمد ، وهذا الملك قد أدبر ، ملك فارس فأنا أهلك فيما ، قال عامر : فأقبل ملك النبي صلى الله عليه وسلم وأدبر ملك فارس وهلك باذان فيما بينهما ، قتله العبسي الكذاب وتزوج امرأته ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال الثعالبي أبو إسحاق بن محمد بن إبراهيم ويقال : الثعالبي ، المتوفى سنة ( 427 ) في تفسيره المسمى ب‍ ( الكشف والبيان ) في تفسير قوله تعالى من سورة الأنعام : ( وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير ) : عن ابن عباس قال : أهدى كسرى بغلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فركبها بحبل من شعر ، وأردفه خلفه . وإن صح هذا - لأن البغوي ذكره أيضا في تفسير سورة الأنعام - فيحتمل أن يكون الذي أرسل البغلة شيرويه ، أو ابن عمه كسرى بن قباذ بن هرمز ، أو أردشير شيرويه ، أو جرهان ، هؤلاء كلهم ملكوا بعد قتل أبو زيز ، ثم ملك بعدهم بوران بنت كسرى وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أمرها فقال : لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة . قاله ابن قتيبة في ( المعارف ) 2 / 666 ، باب ملوك المعجم ، ( المصباح المضئ ) : 2 / 157 - 158 . والله تعالى أعلم أي ذلك كان .